الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

461

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

أحسن الصحابة سياقا لرواية حديث حجة الوداع ، فإنه ذكرها من حين خروجه - صلى اللّه عليه وسلم - من المدينة إلى آخرها ، فهو أضبط لها من غيره . وأما ابن عمر ، فصح عنه أنه كان آخذا بخطام ناقته - صلى اللّه عليه وسلم - في حجة الوداع ، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله وقال : كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس وإني كنت تحت ناقته - صلى اللّه عليه وسلم - يمسنى لعابها ، أسمعه يلبى بالحج ، وأما عائشة فقربها من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - معروف ، وكذا اطلاعها على باطن أمره وظاهره ، وفعله في خلواته وعلانيته ، مع كثرة فهمها وعظم فطنتها . وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه في الدين والفهم الثاقب معروف ، مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة . واحتجوا أيضا : بأن الخلفاء الراشدين واظبوا على « الإفراد » مع أنهم الأئمة الأعلام ، وقادة الإسلام ، والمقتدى بهم ، فكيف يظن بهم المواظبة على ترك الأفضل . وبأنه لم ينقل عن أحد منهم كراهة الإفراد ، وقد نقل عنهم كراهة التمتع والجمع بينهما ، حتى فعله على - رضى اللّه عنه - لبيان الجواز . وبأن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف التمتع والقران . وذهب النووي إلى أن الصواب أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان قارنا ، ويؤيده أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يعتمر في تلك السنة بعد الحج ، قال : ولا شك أن القران أفضل من الإفراد والذي لا يعتمر في سنته عندنا ، ولم يقل أحد إن الحج وحده أفضل من القران . انتهى . وقد صرح القاضي حسين والمتولى بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر في تلك السنة . قال الحافظ أبو الفضل بن حجر : وتترجح رواية من روى القران بأمور . منها : أن معه زيادة علم على من روى الإفراد والتمتع . وبأن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك . وأشهر من روى عنه الإفراد عائشة ، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته . وابن عمر ، وقد ثبت عنه أنه - صلى اللّه عليه وسلم - بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج . وجابر ، وقد روى عنه أنه اعتمر مع حجته أيضا .